لندن ـ «القدس العربي»: لم يسبق لأوروبا بجناحيها السياسي والعسكري أنْ شعرت بمثل هذا القلق الذي أحدثه لها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحليف الرئيسي في حلف شمال الأطلسي «الناتو».
فصقيع غرينلاند صار ناراً ملتهبة بفعل قرار ترامب بالاستيلاء على الجزيرة الاستراتيجية التي تتمتع بالحكم الذاتي والتابعة لمملكة الدنمارك العضو في الناتو، وهو الحلف الذي بات مهدداً بالانهيار من الداخل وليس بفعل تهديد خارجي، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل صار من الطبيعي أن تضج وكالات الأنباء الغربية بمواقف لقادة أوروبيين يتهمون فيها ترامب بأنه «يفكك ركائز النظام العالمي»، ويحذرون من هدمه لحلف الناتو.
وزادت المخاوف من الاستيلاء على الجزيرة عقب غزو الولايات المتحدة لفنزويلا يوم 3 كانون الثاني/يناير الحالي واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته واقتيادهما إلى الولايات المتحدة حيث تجرى محاكمته.
غرينلاند أرض الثروات
جزيرة غرينلاند التي هي جزء من مملكة الدنمارك، وتتمتع بحكم ذاتي واسع، تكتسب أهمية استراتيجية بسبب ثرواتها من المواد الخام، وكذلك بوصفها قاعدة للسيطرة العسكرية على منطقة القطب الشمالي.
كانت غرينلاند ضمن اهتمامات ترامب منذ ولايته الأولى، وتعود العلاقة بين أمريكا والجزيرة إلى عقود طويلة.
وموقع غرينلاند بالغ الأهمية من الناحية الاستراتيجية، إذ تقع على أقصر مسار محتمل للصواريخ بين روسيا والولايات المتحدة، ما يجعلها جزءًا محوريا من الدرع الأمريكي المضاد للصواريخ.
وفي عام 1941، في ذروة الحرب العالمية الثانية، منحت الدنمارك – التي كانت آنذاك تحت الاحتلال النازي – الولايات المتحدة تفويضا، طوال فترة الصراع، لإقامة وتشغيل قواعد عسكرية في غرينلاند، التي كانت مستعمرة دنماركية في القطب الشمالي، في محاولة لحماية القارة الأمريكية. وأجرى السفير الدنماركي في واشنطن، المعزول آنذاك عن كوبنهاغن، مفاوضات بشكل مستقل مع الولايات المتحدة على الاتفاق، بهدف حماية غرينلاند، التي تقع في نصف الكرة الأرضية الغربي، وتعد جزءا من أمريكا الشمالية من الناحية الجغرافية.
وبنهاية الحرب، كانت للولايات المتحدة تمتلك 15 قاعدة عسكرية في غرينلاند، لم يتبق منها اليوم، سوى قاعدة واحدة، هي قاعدة بيتوفيك الجوية على الساحل الشمالي الغربي للجزيرة.
ومنذ عام 1951، يمنح اتفاق دنماركي مع الولايات المتحدة – جرى تعديله في 2004 – القيام فعلا بما يشاء على أراضي الجزيرة، شريطة إبلاغ الدنمارك وغرينلاند مسبقا. غرينلاند، تبلغ مساحتها 2.2 مليون كيلومتر مربع (424849 ميلا مربعا)، أي ما يعادل نحو 20 في المئة من مساحة القارة الأوروبية. وتقع في نصف الكرة الغربي، وتبلغ مساحتها مساحة ألاسكا، أكبر ولاية أمريكية، ويقطنها نحو 57 ألف نسمة فقط. ومن شأن ضمها أن يدفع أمريكا لتصبح ثالث أكبر دولة من حيث المساحة بعد روسيا وكندا. وأشار تقرير حديث للاستخبارات العسكرية الدنماركية إلى أن روسيا والصين والولايات المتحدة تتنافس على لعب «دور أكبر» في منطقة القطب الشمالي.
وتضم غرينلاند رواسب غير مستغلة من المعادن النادرة، وقد تصبح الجزيرة لاعبا حيويا مع ذوبان الجليد القطبي – نتيجة تغير المناخ – وفتح طرق شحن جديدة.
وأظهر استطلاع نشرت نتائجه قبل عام في الصحافة بالدنمارك وغرينلاند أن85 في المئة من سكان الجزيرة يعارضون الانضمام لأمريكا.
ترامب: الأمر لي
ويريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضم الجزيرة الشاسعة المساحة الغنية بالموارد إلى بلاده، قائلا إن الولايات المتحدة تحتاج إلى امتلاك الإقليم لتلبية احتياجاتها الأمنية، التي يرى أنها مهددة من قبل الصين وروسيان بينما يسعى الأوروبيون إلى إقناع ترامب بأنه يمكن حماية غرينلاند بشكل أفضل داخل حلف الناتو.
ولم تؤد المحادثات التي جرت، يوم الأربعاء، في واشنطن بين وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت مع مسؤولين أمريكيين في البيت الأبيض، بالإضافة إلى نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، إلى التوصل إلى حل.
فغداة الاجتماع أقرّت رئيسة الحكومة الدنماركية ميتي فريدريكسن بوجود «خلاف جوهري» مع الولايات المتحدة بشأن مستقبل الجزيرة القطبية، مؤكّدة أن واشنطن لا تزال عازمة على السيطرة على غرينلاند.
وقالت «من الواضح أنّ الوضع خطير، ولذلك نواصل جهودنا لمنع حدوث هذا السيناريو». ورحّبت بإرسال قوات أوروبية للمشاركة في «تدريبات مشتركة في غرينلاند ومحيطها».
وأشارت إلى أنّ «هناك إجماعا داخل حلف شمال الأطلسي على أنّ تعزيز الوجود في القطب الشمالي أمر ضروري لأمن أوروبا وأمريكا الشمالية». وجاء ذلك فيما أعلن وزير دفاعها ترولز لوند بولسن وضع خطة لإنشاء وجود دائم أكبر في العام 2026.
وذكرت غرينلاند، البالغ تعداد سكانها أقل قليلا من 57 ألف نسمة، أنها ليست للبيع ولا تأمل في أن تصبح جزءًا من الولايات المتحدة.
وأعلنت الدنمارك، الحليف التقليدي للولايات المتحدة داخل حلف شمال الأطلسي طناتو»، أنّها تعزز وجودها العسكري في غرينلاند، ردا على الانتقادات الأمريكية لعدم إيلائها أهمية كافية للجزيرة القطبية الشمالية.
الاتحاد الأوروبي يدعم غرينلاند
وفي بروكسل حيث يزداد القلق، تعهدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بتقديم دعم إضافي من الاتحاد الأوروبي لغرينلاند.
وقالت فون دير لاين، السياسية الألمانية، خلال مؤتمر صحافي في مدينة ليماسول في قبرص، على هامش المحادثات السياسية: «يمكن لغرينلاند الاعتماد علينا سياسيا واقتصاديا وماليا».
وأضافت أن أمن منطقة القطب الشمالي هو في المقام الأول شأن يخص حلف شمال الأطلسي «الناتو»، لكن المنطقة وأمنها تشكلان أيضا قضية مركزية وذات أهمية بالغة للاتحاد الأوروبي.
وأكدت فون دير لاين أن: «هذا السبب، من بين أسباب أخرى، هو ما يدفعنا إلى مضاعفة الاستثمارات ودعم غرينلاند»، مشيرة إلى خطط الميزانية التي ستضاعف مساعدات الاتحاد الأوروبي المالية للجزيرة.
ولفتت إلى أن العمل بشأن أمن منطقة القطب الشمالي سيستمر مع الحلفاء والشركاء، بما في ذلك الولايات المتحدة.
قوات عسكرية وصراع محتمل
وفي ظل تصاعد الجهود الأوروبية لدعم الدنمارك في وجه المطالب الأمريكية بالسيطرة على غرينلاند، أعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنروج وهولندا وفنلندا وبريطانيا، إرسال قوة عسكرية إلى الجزيرة للقيام بمهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تنظمها الدنمارك.
وقالت مصادر دفاعية من دول عدة، أنّ هذه التعزيزات العسكرية الأوروبية المتواضعة، والتي تتمثل في 13 جنديا ألمانيا على سبيل المثال وجندي واحد لكل من هولندا وبريطانيا، تهدف إلى إعداد الجيوش لتدريبات مستقبلية في القطب الشمالي.
وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنّ «على فرنسا والأوروبيين أن يواصلوا الوجود في أي مكان تتعرض مصالحهم فيه للتهديد، من دون تصعيد، لكن من دون أي مساومة على صعيد احترام سلامة الأراضي».
وشدد خلال كلمة إلى العسكريين في قاعدة جوية قرب مرسيليا في جنوب فرنسا، على أن «دور» باريس يقتضي بأن «تكون الى جانب دولة ذات سيادة لحماية أراضيها». وأوضح أنّ «مجموعة أولى من العسكريين الفرنسيين موجودة في الموقع وسيتم تعزيزها في الأيام المقبلة بوسائل برية وجوية وبحرية».
وكان الرئيس الفرنسيّ حذّر من أنّ النهج الأمريكي الجديد قد يشكل بداية لعصر من «الاستعمار الجديد والإمبرياليّة الجديدة»، بعد أربع سنوات على بدء الغزو الروسي لأوكرانيا.
وقال ماكرون إنّ الولايات المتّحدة قوة «تتخلّى تدريجيّا عن بعض حلفائها وتتفلّت من القواعد الدوليّة التي كانت تروّج لها حتّى وقت قريب».
كذلك أكد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، أنّ لدى باريس الحق في أن تقول «لا» للولايات المتحدة عندما تتصرف بطريقة غير مقبولة، محذرا من أن النظام السياسي الأوروبي «في خطر».
وفي خطابه السنوي أمام السفراء الفرنسيين، حذر بارو من أن الاتحاد الأوروبي مهدد من قبل خصوم من الخارج، منتقدا في الوقت ذاته التصريحات الصادرة عن واشنطن بأن أوروبا تواجه خطر «زوال حضارتها».
وأشار إلى أنّ الاتحاد الأوروبي «مهدد من الخارج من خصوم يحاولون تفكيك روابط التضامن التي توحّدنا… ومن الداخل بسبب الإنهاك الذي أصاب الديمقراطية».
وتابع «لنكن واضحين، لا يوجد ما يضمن اليوم أننا سنظل نعيش داخل الاتحاد الأوروبي كما نعرفه، بعد عشر سنوات».
وندّد رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون الأحد بـ«الخطاب التهديدي» للإدارة الأمريكية تجاه غرينلاند والدنمارك.
وقال خلال مؤتمر مخصص لمسألة الدفاع السويدي «على الولايات المتحدة أن تشكر الدنمارك، التي كانت عبر السنوات حليفا مخلصا جدا».
وأضاف أن «السويد، ودول الشمال، ودول البلطيق، وعدة دول أوروبية كبيرة تقف معا إلى جانب أصدقائنا الدنماركيين»، منددا بـ«الخطاب التهديدي للإدارة الأمريكية تجاه الدنمارك وغرينلاند».
وشدد على أن أي استيلاء أمريكي محتمل على غرينلاند «يشكل انتهاكا للقانون الدولي، وقد يشجّع دولا أخرى على التصرف بالطريقة نفسها تماما»، محذرا من أن ذلك «مسار خطير».
وظهرت معالم التوتر أيضاً في قول المتحدثة باسم الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، يوم الخميس، إنه قد يطلب من ألمانيا والدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تقديم المساعدة بناء على طلب الدنمارك في حالة حدوث صراع عنيف حول غرينلاند.
وقالت المتحدثة لوكالة الأنباء الألمانية «د ب أ»، إن إقليم غرينلاند جزء من أراضي مملكة الدنمارك، العضو في حلف شمالي الاطلسي «الناتو»، وبالتالي فهي تندرج من حيث المبدأ تحت بند التضامن المتبادل في المادة 42 (7) من معاهدة الاتحاد الأوروبي.
وفي الوقت ذاته، أكدت أن مسألة تطبيق هذا البند ليست مطروحة على الطاولة الآن، حيث إن مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة تعتبر أمرا غير محتمل على الإطلاق لأنه من الاستحالة بمكان، أن يفترض أحد تحدى القوة العسكرية الأقوى في العالم.
لكن وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس كان أكثر صراحة حين قال إن استيلاء الولايات المتحدة الأمريكية على غرينلاند سيكون له عواقب على الناتو، لكنه لم يذهب إلى حد القول إن ذلك سيقضي على حلف شمال الأطلسي «الناتو». وتابع بيستوريوس: «السؤال الآن هو كيفية التدرب على الأرض مع قوات حلف الناتو الأخرى»، موضحاً أن مشاركة ألمانيا في التدريبات على أرض الجزيرة تهدف إلى الإظهار لأعضاء حلف الناتو الأوروبيين أن بلاده تفي بـ«التزاماتها، وهو أمر لم نوضحه بما فيه الكفاية حتى قبل بضع سنوات». لكنّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس قال مساء الخميس عبر محطة ARD التلفزيونية عندما سُئل عن طموحات ترامب بشأن غرينلاند إنه ليس قلقا، مؤكدا أن «الولايات المتحدة ليست منحصرة بإدارة دونالد ترامب».
وأضاف أن مشاركة أوروبا في «ضمان أمن» غرينلاند «تنتزع الحجة الرئيسية» الذي قدمها الرئيس الأمريكي.
واشنطن ترد: قرار ترامب باق
بالمقابل فإن حكومة الولايات المتحدة قللت الخميس من أهمية بعثة الاستطلاع العسكرية التي تجريها عدة دول من حلفاء الدنمارك في حلف شمال الأطلسي «ناتو» في غرينلاند.
وقالت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض للصحافيين في واشنطن: «لا أعتقد أن تواجد قوات في أوروبا يؤثر في عملية اتخاذ الرئيس لقراره، ولا يؤثر في هدفه في السيطرة على غرينلاند مطلقا».
وبعد المحادثات الفاشلة يوم الأربعاء الماضي، قال ترامب لصحافيّين في البيت الأبيض «لديّ علاقات جيّدة جدّا مع الدنمارك وسنرى كيف يتطوّر كلّ ذلك. أعتقد أننا سنتوصّل إلى حلّ».
لكنه وقبل ذلك ببضع ساعات، أكّد مرّة جديدة على منصّته تروث سوشال أنّ الولايات المتّحدة «بحاجة إلى غرينلاند لأسباب تتعلّق بالأمن القوميّ»، وأنها «ضرورية للقبّة الذهبيّة التي نبنيها»، في إشارة إلى نظام أمريكي للدفاع الصاروخي والجوّي.
وكانت هذه أوّل مرّة يربط فيها ترامب السيطرة على غرينلاند بمشروع الدرع الصاروخي الأمريكي الضخم.
ويردّد ترامب أنّ بلاده تحتاج إلى غرينلاند لمواجهة تقدم روسيا والصين في الدائرة القطبيّة الشماليّة، من غير أن يستبعد استخدام القوّة للسيطرة على الجزيرة.
وفيما كانت المحادثات جارية الأربعاء، نشر البيت الأبيض على إكس رسما تظهر فيه زلّاجتان تجرّهما كلاب، واحدة متّجهة إلى البيت الأبيض تحت سماء صافية، والثانية متّجهة إلى سور الصين العظيم والساحة الحمراء وتحيط بهما الظلمة.
وفي جديد ضغوطه، ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الجمعة، إلى إمكانية فرض رسوم جمركية على الدول التي «لا تؤيد» خططه بشأن غرينلاند، وذلك في رسالة جاءت بينما كان وفد من الكونغرس يلتقي بسياسيين من الدنمارك وغرينلاند في كوبنهاغن ويسعى لخفض حدة التوتر.
وقال ترامب: «قد أفرض رسوما جمركية على الدول إذا لم توافق على موضوع غرينلاند»، من دون الكشف عن مزيد من التفاصيل. وأضاف: «نحتاج غرينلاند للأمن القومي». ولم يذكر ترامب من قبل مسألة استخدام الرسوم الجمركية لمحاولة فرض هذه القضية بالقوة.
قائد الأطلسي مُحرج
تحرج مطالبات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضمّ جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، ما قد يفسّر تصريحاته المحدودة عن المسألة.
ويسعى روته إلى إبقاء الناتو بمنأى عن هذا الخلاف بين الدولتين العضوين الولايات المتحدة والدنمارك، والذي قد يهدد وجود حلف شمال الأطلسي نفسه، بعد 77 عاما من تأسيسه عام 1949.
وسمع روته باهتمام تحذير رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن في بداية كانون الثاني/يناير من أن هجوما أمريكيا على غرينلاند سيعني «نهاية كل شيء» وخاصة نهاية حلف الناتو.
وقالت النائب الدنماركية في البرلمان الأوروبي ستين بوس للأمين العام للحلف خلال مناقشة في بروكسل الأسبوع المنصرم، إن «سكان غرينلاند مرعوبون».
وأضافت «يرجى تزويدنا بمؤشر لما يمكن أن يفعله هذا التحالف إذا لم تتمكن دولتان من أعضائه من التوصل إلى اتفاق».
واكتفى روته بالقول إنه «بصفتي الأمين العام، من الواضح تماما أنني لا أعلق أبدا على المناقشات التي تدور داخل الحلف. نحن نعمل خلف الكواليس».
ووقع الاختيار عام 2024 على روته – رئيس الوزراء الهولندي السابق لقيادة الناتو- لقدرته على التعامل مع ترامب الذي أقام معه علاقة مبنية على الثقة.
ولم يتردد روته قط في شكر ترامب على «إقناع» دول الحلف الأوروبية بزيادة إنفاقها الدفاعي. وأكد أمام أعضاء البرلمان القاري أن «الفضل يعود للرئيس ترامب، أعلم أنكم ستكرهونني جميعا لقولي هذا، لكن هذه هي قناعتي».
لكن لم تمنع هذه الاستراتيجية حتى الآن الرئيس الأمريكي من تكرار تهديداته بضم غرينلاند بهدف معلن هو ضمان أمن الولايات المتحدة. ويعتزم روته إقناعه أن الأمرين ليسا مترابطين حكما.
وقال الأمين العام للحلف «نتفق جميعا داخل الناتو على أنه لحماية المنطقة القطبية الشمالية، يجب أن نعمل معا، وهذا بالضبط ما نقوم به».
ويرى جيمي شاي، الباحث في مركز تشاتام هاوس الذي يتخذ مقرا في لندن، أنه «يجب على مارك روته أن يتحرك خلف الكواليس بسرعة، ولكن بتكتم لإقناع الولايات المتحدة».
ويؤكد النائب السابق للأمين العام للحلف كامي غران، أن مهمة روته حاليا أشبه بـ«الوساطة»، وعليه «معرفة الوقت الأنسب للدخول في النقاش».
وفي حال لم ينجح الأمر، قد يضطر روته إلى لعب ورقته الأخيرة: استخدام ثقة ترامب به ليقول له «هذا غير ممكن»، وفق ما يرى مصدر دبلوماسي.
ويضيف المصدر «يدرك روته أنه إذا فشل الآن، فقد يستنزف رصيده ويخسر رأسماله مع ترامب».
ويتابع «كان يريد استخدام هذه الرصاصة الأخيرة (مسألة الثقة) لأوكرانيا، لكنه قد يضطر إلى ابتكار أخرى لغرينلاند».
غالبية الألمان: ترامب يهدد حلف الناتو
وانتقل السجال من المستوى السياسي إلى المستوى الشعبي في أوروبا، إذ يعتقد غالبية المواطنين في ألمانيا أن سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهدد استمرار وجود حلف شمال الأطلسي.
وبحسب استطلاع أجراه معهد «فالن» لقياس مؤشرات الرأي بتكليف من القناة الثانية في التلفزيون الألماني «زد دي إف»، أيد 78 في المئة من المشاركين هذا التقدير، بينما ذكر 18 في المئة آخرون أنهم لا يعتقدون ذلك، وأجاب الباقون بـ«لا أعرف».
وفي حال تدخلت الولايات المتحدة عسكريا في شؤون دول أخرى للحصول على موارد اقتصادية، بما يخالف القانون الدولي، فإن غالبية المشاركين في الاستطلاع يرون أنه يجب على الاتحاد الأوروبي اتخاذ موقف معارض لذلك، حيث أيد 69 في المئة من المستطلعين أن تتخذ بروكسل موقفا مضادا، بينما رأى 22 في المئة أنه على الاتحاد الأوروبي أن ينأى بنفسه، وأيد 5 في المئة وقوف الاتحاد خلف الولايات المتحدة.
قلق روسي
في المقابل، أعربت وزارة الخارجية الروسية عن «قلق بالغ» بعد نشر قوات من دول حلف شمال الأطلسي في غرينلاند. ورفضت روسيا فكرة أنّها تشكل خطرا على غرينلاند، واصفة إياها بـ«الخرافة».
وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا، إنّ جزءًا من الأراضي الدنماركية «أُدرج ضمن مجال مصالح واشنطن بشكل تعسّفي».
وأكدت أن «خرافة وجود نوع من التهديد الروسي، التي روجت لها الدنمارك وغيرها من أعضاء الاتحاد الأوروبي والناتو لسنوات، هي نفاق محض».
واتهم سفير روسيا لدى الدنمارك حلف شمال الأطلسي «ناتو» بالسعي إلى عسكرة القطب الشمالي وسط المطالب الأمريكية بالسيطرة على إقليم غرينلاند الذي يتمتع بالحكم الذاتي ويشكل جزءا من مملكة الدنمارك.
وقال السفير فلاديمير باربين لوكالة أنباء الدولة الروسية «تاس» إن دول الناتو، بما في ذلك الدنمارك، تستخدم شبح التهديد الروسي أو الصيني لتوسيع وجودها العسكري في المنطقة.
وقال باربين: «روسيا لا تضمر خططا عدوانية ضد جيرانها في القطب الشمالي، ولا تهددهم بعمل عسكري، ولا تسعى للاستيلاء على أراضيهم». وحذرت موسكو سابقا من تجاهل مصالح روسيا الخاصة في القطب الشمالي.
وتعتبر روسيا، بسواحلها الشمالية الطويلة على المحيط المتجمد الشمالي، القطب الشمالي منطقة مصالح تابعة لها. وتكثف موسكو من استخدام الطرق البحرية في المنطقة وتوسع وجودها العسكري.