الوثيقة | مشاهدة الموضوع - النساء في الواجهة.. “المدونة الجعفرية” تُفجر انقساماً حاداً بالعراق
تغيير حجم الخط     

النساء في الواجهة.. “المدونة الجعفرية” تُفجر انقساماً حاداً بالعراق

مشاركة » الجمعة أغسطس 29, 2025 5:36 pm

اكتمل تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 بعد نحو 7 أشهر من إقراره عقب تصويت مجلس النواب العراقي على “المدونة الشرعية للفقه الجعفري”، وهي مسودة مشروع أرسلها ديوان الوقف الشيعي، وتُعد جزءاً من القانون.

وكان مجلس النواب صوت في 21 كانون الثاني/ يناير 2025 على ثلاثة قوانين، أثارت الجدل والخلافات السياسية عليها طيلة أشهر، وهي كل من تعديل قانون الأحوال الشخصية، وقانون إعادة العقارات إلى أصحابها والمشمولة ببعض قرارات مجلس قيادة الثورة (المنحل)، وقانون التعديل الثاني لقانون العفو العام رقم 27 لسنة 2016.

وواجهت هذه القوانين اعتراضات من قبل المتخصصين والمنظمات المدنية، مما دفع مجلس النواب في حينها إلى تمريرها عبر “سلة واحدة” بتوافق بين الشيعة والسنة والكورد.

وكان لتعديل قانون الأحوال الشخصية نصيب من هذه الاعتراضات المحلية والدولية، بينها “هيومن رايتس ووتش”، التي اعتبرت أن القانون المعدل يشكّل تراجعاً عن مبدأ المساواة ويهدد حقوق النساء والفتيات، لا سيما فيما يتعلق بسن الزواج، وحقوق الحضانة، والميراث.

لكن في المقابل، يرى المدافعون عنه أنه يحقق العدالة الدينية ويعطي المذهب الجعفري إطاراً تشريعياً رسمياً طال انتظاره.

ووفقاً لخبراء قانونيين، فإن المدونة الشرعية للفقه الجعفري عبارة عن نص فقهي وقانوني أعدّه ديوان الوقف الشيعي، يتضمن أكثر من 300 مادة تعالج مسائل الأحوال الشخصية (كالزواج، والطلاق، والميراث، والوصايا، والنفقة، والحضانة) وفق مبادئ الفقه الإمامي الاثنا عشري (الجعفري).

وعن تصويت البرلمان أول أمس الأربعاء على “المدونة الشرعية للفقه الجعفري”، يقول عضو اللجنة القانونية النيابية، عارف الحمامي، إن “قانون الأحوال الشخصية اكتمل بعد إعداد المدونة والتصويت عليها في مجلس النواب”.

ويضيف الحمامي، أن “التصويت سيفتح آفاقاً جديدة خصوصاً أن قانون الأحوال الشخصية لم يجرِ تعديل عليه منذ سنوات”.

ويوضح أن، المدونة الشرعية المرتبطة بقانون الأحوال الشخصية هي “مباحة لمن يرغب بعقد زواجه عليها”، سواء بتغيير القديم أو في العقود الجديدة، كما بالإمكان عمل العقود الجديدة على القانون القديم، وكل ذلك متروك للاختيار الشخصي.

وبما أن العقد شريعة المتعاقدين، يبين النائب، أن من يعقد على القانون القديم تكون الحقوق والإجراءات وفق القانون القديم، ومن يعقد على القانون الجديد تكون الحقوق والإجراءات وفق القانون الجديد.

أما من كان على القانون القديم ورغب الزوج أو الزوجة في الحضانة على سبيل المثال على القانون الجديد، فيمكن لهما “إقامة دعوى قضائية وتعديل العقد وفق القانون الجديد وأخذ الحقوق الواردة فيه”، بحسب الحمامي.

“رفض نسوي”

لكن من جانب آخر، ترى ثلاث ناشطات نسويات أن تعديل القانون تضمن مواداً ضد حقوق النساء، ما دفع الشارع النسوي ومنظمات المجتمع المدني في وقتها إلى إقامة وقفات احتجاجية لرفض التعديلات، معتبرن أن وراءها دوافع سياسية أكثر مما هي اجتماعية، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية المقررة في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025.

وبهذا السياق، تقول رئيسة مركز “العلا” للتنمية، علياء آل هذال، إن تعديل قانون الأحوال فيه “انتهاك صارخ لحقوق المرأة، وجاء نتيجة ضغوط سياسية لا أكثر”، لأن القانون الأحوال الشخصية الحالي النافذ يعطي مساحة للمرأة مراعياً حقوقها ومحافظاً على الأسرة أكثر.

وتحذر آل هذال من تراجع حقوق المرأة خاصة في الحضانة وسن الزواج والنفقة، خصوصاً بعد توسيع دور السلطات الدينية في قضايا الأسرة بدلاً من الاقتصار على المحاكم المدنية.

ومن الملاحظات أيضاً وفق الناشطة، هي “ضعف حماية الطفولة” بسبب الغموض في تحديد سن الزواج والمخاوف من استثناءات تسمح بزواج أصغر سناً إذا فُسّرت “بلوغ الطرفين سن الرشد” وفق قواعد مذهبية.

وتعتبر أن التعدد المذهبي في القانون “قد يخلّ بالمساواة وعدم التمييز” التي نصت عليها المادة 14 من الدستور، بالإضافة إلى التحديات عند التطبيق نتيجة تضارب الأحكام وتجزئة القضاء بسبب تعدد المذاهب.

ووفقاً لما سبق، ترى المدافعة عن حقوق الإنسان، سارة جاسم، أن قانون الأحوال الشخصية لا يعزز استقرار الأسرة بل “يهدد بتفكيكها”، فهو يسمح بـ”زواج القاصرات دون قيود”، ويضعف حق الأم في الحضانة وتقتصر على الرضاعة وفي السنوات الأولى فقط، ويُهمل توفير ضمانات للنفقة في مراحل عمرية محددة.

وهذا يعني، بحسب ما تقول جاسم “تهميش دور المرأة” الأساسي لتطوير المجتمع والتربية التي يحتاجها الانسان بمراحله العمرية، وزرع هذه الفكرة بحد ذاته يُعد “أمراً خطيراً على أسس المجتمع”.

وتنوّه جاسم إلى ضرورة أن يكون أي تعديل قانوني من خلال “حوار تشاركي” مع منظمات المجتمع المدني والنساء أنفسهن، وإبعاد القوانين عن المشاريع السياسية والانتخابية.

وانسجاماً مع هذا الطرح، تشير رئيسة منظمة “آيسن” لحقوق الإنسان، أنسام سلمان، إلى أن “من أبرز الاعتراضات على قانون الأحوال الشخصية الجديد ما يتعلق بالولاية الجبرية للأب، فلا يجوز للبنت مخالفة والدها مهما كان عمرها”.

ومن الاعتراضات أيضاً، تضيف سلمان، هي انتقال الولاية للزوج عند الزواج، وتكون الحضانة للأب بعد سن السبع سنوات، وقبل ذلك للأم، كما يحق للزوج تحويل عقد الزواج إلى المذهب الجعفري حتى دون موافقة الزوجة.

وتواصل الناشطة في ذكر أسباب الاعتراض بأنها تتمثل أيضاً بإسقاط الحضانة والنفقة عن الزوجة إذا ذهبت إلى بيت أهلها (هجر أو زعل)، وتُخيّر بين العودة والطلاق.

كما تفقد الحضانة الأم عند زواجها بغض النظر عن عمر الطفل، وتمديد مدة النشوز لسبع سنوات بدلاً من سنتين، وفي حين “يُعاقب أهل الزوجة قانونياً في حال تدخلهم، يسمح للزوج الزواج بامرأة ثانية حتى دون موافقة الأولى”، تقول سلمان.

لكن في مقابل تلك الآراء، تبرز مواقف نسوية مغايرة تعتبر تعديل قانون الأحوال الشخصية خطوة إيجابية، تستجيب للتغيرات الاجتماعية والثقافية التي شهدها العراق خلال العقود الأخيرة.

“حقق التوازن”

لكن، من الجهة الاخرى، يرى مدافعون عن هذا التشريع، بأنه حفظ حقوق المرأة والرجل، حيث ترى الناشطة رقية سلمان أن التعديل “يمنح مساحة أوسع لحماية حقوق المرأة والطفل ويضع ضمانات حقيقية للرجل أيضاً”، الأمر الذي يحقق التوازن المطلوب داخل الأسرة العراقية، ويقلل من احتمالات النزاع والتفكك.

وتبيّن سلمان أن المرجعيات الدينية والاجتماعية تنظر بـ”اهتمام بالغ إلى هذه التعديلات التي تقدم حلولاً عملية لمشكلات حقيقية تواجه المجتمع العراقي اليوم، من بينها ارتفاع نسب الطلاق”.

وبحسب أحدث إحصائية لمجلس القضاء الأعلى لحالات الطلاق المسجلة في محاكم العراق، فقد أظهرت تسجيل 6.910 حالات طلاق خلال شهر تموز/يوليو 2025، ما يشير إلى استمرار ارتفاع معدلات الطلاق، ويعكس في الوقت نفسه تحديات اجتماعية تواجه الأسر العراقية.

ولهذا السبب، تأمل المحامية والناشطة سجى العامري، أن يسهم تعديل قانون الأحوال الشخصية في الحد من حالات الطلاق للحفاظ على تماسك الأسر العراقية وبالتالي بناء مجتمع متكامل.

وتتفق العامري مع ما ذهبت إليه رقية سلمان، بأن تعديل القانون وإكمال المدونة الجعفرية مؤخراً تأتيان “للحفاظ على استقرار المجتمع وعلى حقوق جميع الأطراف بشكل متساوٍ سواء للنساء أو الرجال أو الأطفال”.

وفي ظل هذا الانقسام في الآراء بين مؤيد ومعارض، يحسم الشيخ نور الساعدي الجدل بقوله، إن “المدونة الخاصة بالفقه الجعفري تعطي كل ذي حق حقه، باعتبارها مستندة إلى القانون الإلهي الذي لا يخطئ بالتعامل مع العباد، والأساس فيه هو المصلحة والمفسدة”.

ويشير الساعدي إلى أن، تعديل قانون الأحوال الشخصية جاء “لوجود نواقص في القانون السابق، بسبب تعديلات مجلس قيادة الثورة المنحل، التي كانت تتبع هوى بعض القيادات، مما أثّر على القانون حتى أصبح يعطي صلاحيات واسعة لطرف على حساب طرف آخر”.

ومن تلك الصلاحيات، ما يتعلق بالحضانة، التي كانت “لا تُنقض ولا تنتهي تحت أي ظرف، إلا في ظروف حرجة أو خاصة، مما تسبب بحيف وظلم على الآباء لفترة طويلة”، وفق الساعدي.

وفي الختام، يؤكد الساعدي أن المدونة الجعفرية “ليست إجباراً على أحد بل تُترك للاختيار، ورغم ذلك يلاحظ وجود لغط حولها، ونُسبت إليها الكثير من القضايا كذباً، ولا يزال ذلك مستمراً لحد الآن”
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير