ترجمة حامد أحمد
كشف تقرير لمجلة وايرد WIRED الأميركية للشؤون الأمنية والسياسية افتقار العراق إلى تغطية رادارية فعالة ومنظومات دفاع جوية متكاملة لحماية أجوائه ورصد أي تحركات أو أجسام، من طائرات وصواريخ، تشكل تهديداً لسيادته، مؤكداً أن أكثر المنظومات تطوراً في البلد هي المخصصة لحماية المواقع العسكرية الأجنبية الأميركية بدلاً من حماية مجاله الجوي، مع ضعف التنسيق بين بغداد وأربيل وغياب مركز قيادة موحد في هذا المجال، حيث إن الدفاعات الحالية المتواجدة تعتمد على منظومات أميركية وروسية محدودة الفعالية، بينما يفتقر إقليم كردستان إلى شبكة دفاع جوي حقيقية. وأشار تقرير المجلة الأميركية إلى أن الصواريخ والطائرات المسيرة التي ضربت البلد والمواقع العسكرية الأجنبية أو الإسرائيلية المزعومة التي كُشف عنها مؤخراً في صحراء النجف والصحراء الغربية، إنما تفضح مدى ضآلة سيطرة بغداد على المجال الجوي فوق أراضيها. وأثارت هذه المعلومات جدلاً واسعاً بسبب ما اعتُبر خرقاً كبيراً للسيادة العراقية. ورداً على ذلك، أطلق الجيش العراقي وهيئة الحشد الشعبي عملية “فرض السيادة” في صحاري النجف وكربلاء. لكن العملية كشفت مشكلة أكبر: إذ يبدو أن العراق لا يمتلك تصوراً واضحاً ومشتركاً عما يحدث في أجوائه.
ويصف الخبراء مشكلة الدفاع الجوي العراقي بأنها تقنية وسياسية في آن واحد. فالتغطية الرادارية مجزأة، والتنسيق بين بغداد وأربيل محدود، وبعض أكثر الأنظمة تطوراً في البلاد تبدو مخصصة لحماية مواقع عسكرية أجنبية بدلاً من حماية المجال الجوي العراقي بشكل أوسع. ويشير التقرير إلى أن عملية التنسيق المشترك مهمة للغاية. ففي أي نظام دفاع جوي فعّال، تقوم الرادارات برصد الطائرات أو الصواريخ أو المسيّرات، ثم تجمع مراكز القيادة هذه المعلومات لتحديد ما إذا كان الجسم يشكل تهديداً، وتوجه وحدات الدفاع الجوي حول كيفية الرد. ومن دون هذه السلسلة، فإن كل جهة ترى جزءاً فقط من السماء.
ممر بين صراع إقليمي
منذ بدء التصعيد الإقليمي في أواخر فبراير/شباط، تعرض العراق لأكثر من 1200 هجوم بالمقذوفات، بينها 809 هجمات في إقليم كردستان الذي تحمل العبء الأكبر من الضربات. ويشير هذا النمط إلى مشكلة سيادة أوسع: فالتهديدات تمر عبر الأجواء العراقية بسرعة أكبر من قدرة الدولة على تتبعها أو تنسيق الرد عليها.
ويقع العراق في قلب حرب الظل بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. فهو لا يزال حليفاً لواشنطن، لكن حكومته تتأثر أيضاً بأحزاب شيعية قوية موالية لإيران. ونتيجة لذلك، تحولت السماء العراقية إلى ممر مزدحم للصواريخ والطائرات المسيّرة. وكانت أربيل، على وجه الخصوص، تتعرض لضربات شبه يومية لمدة شهرين.
مخلفات منظومات دفاعية قديمة
ويذكر التقرير أن العراق كان يمتلك في السابق نظام دفاع جوي أقوى بكثير. فقد بُني على معدات روسية ونظام قيادة فرنسي يعرف باسم “كاري” (KARI)، وكان مصمماً لمساعدة الدولة على تتبع كل ما يتحرك في أجوائها. لكن جزءاً كبيراً من هذا النظام قد دُمر خلال حرب الخليج الثانية عام 1991 ولم يُعَد بناؤه بالكامل. واليوم، تعتمد الدفاعات الجوية العراقية على منظومات “أفنجر” الأميركية للتعامل مع التهديدات منخفضة الارتفاع، إضافة إلى منظومات “بانتسير-إس1” الروسية. لكن هذه الدفاعات ترتبط في الغالب بالمناطق الخاضعة للحكومة الاتحادية، ما يترك إقليم كردستان من دون شبكة حماية قوية.
وفي هذا الفراغ، تتمركز بعض أكثر أنظمة الدفاع الجوي تطوراً في إقليم كردستان حول المنشآت الأميركية ومنشآت التحالف، بما في ذلك قاعدة أربيل الجوية.
فجوة في البنية التحتية
قال مختص بهندسة الأنظمة الإلكترونية في أربيل، لم يُذكر اسمه، إن العراق يفتقر إلى نظام متكامل يستطيع أن يمنح المؤسسة العسكرية صورة واضحة لما يحدث في سماء البلاد، مشيراً إلى أن العراق استعاد السيطرة على أجوائه عام 2011، لكنه لم يمتلك المعدات التقنية اللازمة لفرض هذه السيطرة بشكل فعلي. وقال: “لا يوجد سجل يُظهر أن الإقليم مزود بأنظمة مراقبة أو كشف جوي، وأعتقد أن الصورة الجوية تتركز فقط حول المنشآت الحيوية والعسكرية.”
وأضاف أنه في إقليم كردستان “فقط عندما تستهدف الصواريخ أو المسيّرات المنشآت الأميركية، يتم إسقاطها أو على الأقل الاشتباك معها.” وبمعنى آخر، فإن أكثر أنظمة الرادار والاعتراض موثوقية تبدو متركزة حول المواقع الأميركية. وقال إن هذه الفجوة تعكس فراغاً أوسع في البنية التحتية. ويقول: “في العراق، لم نشهد أي نوع من المراقبة والحماية الجوية الشاملة خلال الحرب الأخيرة. النظام متعدد الطبقات ببساطة غير موجود.”
غياب التنسيق
يقول أليكس ألميدا، مدير الأمن في شركة “هورايزن إنغيج” للاستشارات السياسية والأمنية، إن قدرات الدفاع الجوي العراقية محدودة للغاية وقد تعرضت لضعف شديد.
وأضاف: “قدرات الدفاع الجوي العراقية محدودة تقنياً جداً، فأكثر أنظمتهم تطوراً هي منظومات بانتسير ذات مدى اشتباك يبلغ 20 كيلومتراً، كما أن عدداً من رادارات الدفاع الجوي تعرض للتضرر أو التدمير على يد الفصائل المسلحة الصيف الماضي وفي فبراير/شباط ومارس/آذار.”
أما إقليم كردستان فهو أكثر عرضة للخطر. ويقول ألميدا: “الأكراد أيضاً لا يمتلكون أي دفاع جوي فعلي خاص بهم، باستثناء بعض المدافع القديمة المضادة للطائرات والأسلحة الخفيفة.” ويضيف أن الوجود الأميركي في مطار أربيل الدولي يشمل منظومات “باتريوت” التي تغطي منطقة أربيل الكبرى، إلى جانب أنظمة أقصر مدى مثل “سي-رام” وأنظمة الدفاع الجوي القصير المدى والطائرات المسيّرة الاعتراضية. كما تنفذ قوات التحالف دوريات قتالية منتظمة فوق إقليم كردستان انطلاقاً من قواعد أخرى في المنطقة.
لكن هذه الأنظمة لا تمنح العراق سيطرة كاملة على أجوائه. ويقول ألميدا: “لا توجد أي صورة دفاع جوي مشتركة على الإطلاق.”
ويضيف أن قيادة الدفاع الجوي العراقية في بغداد مقسمة تقنياً إلى أربع قيادات إقليمية: الجنوبية والغربية والوسطى والشمالية. أما مواقع الرادار الرئيسية فتضم مزيجاً من الأنظمة الأميركية والفرنسية. لكن المشكلة ليست في المعدات فقط، بل في التنسيق الذي تراجع أيضاً.
وقال: “هناك ضابط ارتباط كردي في مقر قيادة العمليات المشتركة العراقية في بغداد، لكن التنسيق بين بغداد وأربيل يبدو محدوداً بهذه الحلقة فقط.”
وأشار إلى أن مستشاري التحالف الذين كانوا يعملون داخل قيادة العمليات المشتركة جرى سحبهم العام الماضي، ما أضعف الهيكل المشترك الذي كان قائماً خلال الحرب ضد تنظيم داعش.
وأضاف: “هذا يعني فعلياً أنه لا توجد مظلة دفاع جوي عراقية فوق إقليم كردستان، مع تنسيق محدود جداً.”
عن مجلة WIRED الأميركية