تغيير حجم الخط     

من البنادق إلى المكاتب.. ترتيبات هادئة تعيد رسم دور الفصائل

مشاركة » الثلاثاء مايو 05, 2026 2:56 am

5.jpg
 
بغداد/ تميم الحسن


في تطور يشي بوجود ترتيبات تتجاوز حدود الداخل، كشفت مصادر مطلعة على كواليس المفاوضات في الشهر الماضي، عما وصفته بـ«مفاجأة من العيار الثقيل»، تتعلق بدور إيراني خفي في إدارة مسار تشكيل الحكومة الجديدة، عبر خطة جرى تصميمها بعناية لتُنفّذ «من دون إثارة غبار».
المعطيات التي حصلت عليها (المدى) من مصادر شيعية وسُنية، تشير إلى أن هذه الخطة أسهمت، إلى حد كبير، في فك عقدة الصراع بين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، وتهيئة الأرضية لطرح اسم تسوية، في وقت يثير فيه صمت الفصائل المسلحة وما يُعرف بـ«محور المقاومة» تساؤلات لافتة، وسط وصف ساخر بدأ يتردد عن الحكومة المرتقبة بأنها «حكومة نفس ترامب».
بداية القصة: زيارة صامتة ورسائل حاسمة
تعود جذور هذه التطورات إلى منتصف نيسان الماضي، حين وصل إسماعيل قاآني، قائد "فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري الإيراني"، إلى بغداد في زيارة غير معلنة، هي الأولى له بعد المواجهة الأخيرة مع الولايات المتحدة.
الزيارة، التي لم يُكشف عنها إلا بعد يومين من مغادرته، جاءت في لحظة كان فيها «الإطار التنسيقي» غارقاً في انسداد سياسي دام أكثر من 160 يوماً، من دون التوصل إلى اتفاق على اسم رئيس الحكومة.
وبحسب مصادر مطلعة، عقد قاآني سلسلة لقاءات مع أطراف رئيسية داخل «الإطار» وخارجه، محذراً من «مخاطر حقيقية قد تؤدي إلى فقدان امتيازات عسكرية» داخل العراق، ومشيراً إلى ضرورة الانتقال إلى «خطة بديلة».
وظهرت مؤشرات على نجاح التدخل الإيراني، رغم ما كان يُتداول في الأروقة السياسية عن فشله، بعد أن تمكن الإطار التنسيقي، للمرة الأولى خلال الأسبوعين الأخيرين من مهلة تشكيل الحكومة، من عقد اجتماع حاسم والخروج بمرشح توافقي.
وكان لافتاً أن تكثف إيران اهتمامها بحلفائها في توقيت يعد الأسوأ، إذ تعرض النظام الإيراني لهزات غير مسبوقة بفعل تداعيات الحرب الأخيرة، وفسّر ذلك حينها، وفق مراقبين، بوصفه دليلاً على عدم تخلي إيران عن العراق، واستمرار تمسكها بدوره المحوري في معادلات النفوذ الإقليمي.
«التسوية الكبرى»: من التهديد إلى إعادة التموضع
المصادر تكشف أن ما طُرح لم يكن جديداً بالكامل، بل إعادة إحياء لخطة «التسوية الكبرى» التي جرى تداولها منذ مطلع 2025 - مع بعض التعديلات - على وقع توقعات بتصعيد أميركي ضد وكلاء إيران في المنطقة.
هذه التسوية تضمنت، خلال طرحها قبل أقل من سنة، مرحلتين:
الأولى (الجارية): تقليل التوتر مع واشنطن عبر إنهاء دور «الفصائل المتمردة» مقابل الإبقاء على «الحشد الشعبي» ضمن إطار الدولة.
الثانية (المؤجلة): دمج الحشد في المؤسسات الأمنية الرسمية، في حال فشل المرحلة الأولى.
وتشمل «الفصائل المتمردة» جماعات مثل «كتائب حزب الله» و«النجباء» و«سيد الشهداء»، وهي فصائل لا تلتزم، وفق التوصيف، بالخط الرسمي للحشد في تجنب التدخلات الإقليمية.
«بدون إثارة غبار»: استراتيجية التغلغل الهادئ
وفق المصادر، فإن التحول الأبرز في المقاربة الإيرانية يتمثل في الانتقال من الحضور العسكري المباشر إلى تعزيز النفوذ عبر القنوات السياسية والمدنية.
وتقوم هذه الاستراتيجية على: التغلغل في المؤسسات الحكومية والدبلوماسية والأمنية، وتقليل الأنشطة العسكرية العلنية، وتجنب أي استفزاز مباشر لواشنطن.
وفي كلتا المرحلتين، تبدو المناصب المتقدمة داخل هيئة "الحشد الشعبي" أداة تفاوضية مهمة، إذ تمنح الأطراف المعنية ثقلاً إضافياً على طاولة التفاهمات، وتوفر في الوقت ذاته بديلاً لتعويض المواقع التي قد يجري التخلي عنها ضمن ترتيبات «التسوية»، مع ضمان الاحتفاظ بنفوذ مؤثر داخل مراكز القرار السياسي.
ويمكن أيضاً أن يُعلن بشكل «صوري» عن نزع سلاح الفصائل، إذ لم يُسجَّل حتى الآن أي إعلان رسمي بشأن تسلّم سلاح الفصائل الأربع التي أعلنت قبل خمسة أشهر تخليها عنه، رغم استمرار الجدل حول جدوى هذا المسار، لا سيما في ظل المخاوف من انتقال جزء من هذا السلاح أو إعادة توظيفه داخل هيئة الحشد الشعبي، حيث تمتلك بعض تلك الفصائل أجنحة نافذة داخله.
وفي السياق ذاته، تُقدّر إيران، وفق معلومات متداولة، أن شعبية دونالد ترامب قد تتراجع في انتخابات منتصف الولاية المقررة لاحقاً هذا العام، وهو ما قد يحدّ من قدرة واشنطن على تشديد الضغط على طهران، ويعيد – بحسب هذه التقديرات – مساحة نفوذ أكبر لحلفائها في المنطقة.
هذا التحول يفسر، بحسب المراقبين، حالة الصمت غير المعتادة للفصائل إزاء تصريحات دونالد ترامب الداعمة لتكليف علي الزيدي، التي تضمنت دعوة إلى تشكيل حكومة «بعيدة عن الإرهاب».
غير أن هذا المطلب الأميركي بدا، في نظر مراقبين، غير منسجم مع موازين القوة على الأرض، خصوصاً أن هذه الجماعات تمتلك ما لا يقل عن 80 مقعداً داخل البرلمان، ولم تخسر فعلياً سوى منصب نائب رئيس المجلس، وهو موقع لا يمثل ثقلاً حاسماً في معادلة توزيع السلطة.
«حتى زوال العاصفة»
في موازاة ذلك، تتزايد التساؤلات حول طبيعة اختيار الزيدي، وهو رجل أعمال غير معروف سياسياً على نطاق واسع.
قيادات داخل «الإطار التنسيقي» تؤكد أن الرجل «مدعوم من الجميع» و«بلا أب سياسي»، وهو توصيف يُنظر إليه بوصفه ميزة تتيح توزيع النفوذ من دون تحميل أي طرف كلفة سياسية مباشرة.
لكن مصادر مطلعة تشير إلى أن هذا الخيار قد يكون مؤقتاً، ضمن خطة تهدف إلى: امتصاص الصراع الداخلي، وكسب الوقت، وانتظار نتائج التفاهمات مع واشنطن.
وتتحدث المعلومات عن احتمال التخلي عن الزيدي لاحقاً، بعد «زوال العاصفة» الإقليمية والدولية.
وقال النائب عن ائتلاف دولة القانون، عثمان الشيباني، إن علي الزيدي حضر أكثر من 30 اجتماعاً مع الإطار التنسيقي قبل أشهر من طرح اسمه رسمياً، مشيراً إلى أنه كان يشارك أيضاً في جلسات داخل مجلس النواب، موضحاً أنه «يمتلك عقلاً اقتصادياً مميزاً».
ويبدو أن هذه الإشارات جاءت في سياق تقديم خلفية سياسية لعلي الزيدي، والتأكيد على أن حضوره لم يكن طارئاً أو وليد اللحظة، بل سبقته مشاركات واجتماعات متعددة داخل أروقة الإطار التنسيقي، بما ينفي فكرة ظهوره المفاجئ على مشهد التكليف.
ورغم الهدوء الظاهري من قبل الجماعات المسلحة على تطورات تشكيل الحكومة، تشير تقديرات سياسية إلى أن الحكومة المقبلة قد تكون «الأكثر فصائلية» من حيث التمثيل داخل السلطة التنفيذية عبر شخصيات "واجهة للفصائل" و"غير معروفة"، عبر منح وزارات خدمية وإنتاجية للفصائل كجزء من تسوية لاحتوائها سياسياً.
وحتى الآن، لم يعلن علي الزيدي موقفاً واضحاً من مسألة مشاركة الفصائل المسلحة في الحكومة، رغم أن هذا الملف يُرجَّح أن يتحول إلى الاختبار الأكثر حساسية أمامه، في ظل تصاعد الضغوط الأميركية لإبعاد هذه الجماعات عن معادلة الحكم وإعادة ضبط توازنات السلطة داخل الدولة.
وتتداول أوساط سياسية أسماء مرتبطة بوزارات مثل: الزراعة، والاتصالات، ضمن صراع نفوذ بين أطراف فصائلية وسياسية مختلفة، بعضها يخضع لملاحقات أو عقوبات أميركية.
وترى أوساط سياسية أن منح وزارات خدمية أو إنتاجية للفصائل قد يشكّل جزءاً من تسوية تهدف إلى إبقائها داخل العملية السياسية وتقليل احتمالات التصعيد الأمني، غير أن هذا التوجه يضع حكومة الزيدي أمام اختبار مبكر، في ظل اشتراطات واشنطن بتشكيل كابينة «خالية من الإرهاب».
مرحلة ترقب حذرة
في المقابل، لم تُظهر الولايات المتحدة الأمريكية حتى الآن خطوات عملية حاسمة لدعم تشكيل الحكومة الجديدة، باستثناء إشارات محدودة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب استمرار تجميد بعض شحنات الدولار، وفق ما نقلته مصادر دبلوماسية لـ(المدى).
ويرى مراقبون أن المرحلة الحالية تمثل اختباراً مزدوجاً: داخلياً لقياس قدرة الحكومة المقبلة على إدارة توازنات الفصائل، وخارجياً لمدى التزامها بسقف الشروط المتعلقة بتقليص النفوذ الإيراني.
وفي هذا السياق، كشف النائب السابق والسياسي المستقل مثال الآلوسي عن وجود معلومات تتحدث عن «تدوير شخصيات قريبة من إيران» داخل العراق خلال المرحلة السياسية الجديدة.
وحذّر الآلوسي من هذه المسارات، معتبراً أنها قد تؤدي إلى إعادة تنشيط شبكات نفوذ تمتد داخل العراق وخارجه، بما قد يسهم في إعادة إنتاج التوتر في أكثر من ساحة إقليمية.
في المحصلة، لا يبدو أن اختيار علي الزيدي يحسم الصراع السياسي القائم، إذ تشير مصادر مطلعة إلى أن الحكومة الجديدة، في حال تشكلها، لن تكون سوى نتاج تسوية هشة تقوم على تهدئة مؤقتة بين القوى الشيعية، وإعادة تموضع إيراني أقل صداماً.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير