الوثيقة | مشاهدة الموضوع - خرائط على طاولة الأمم المتحدة.. هل يتحول خور عبد الله إلى اختبار سيادة جديد بين العراق والكويت؟
تغيير حجم الخط     

خرائط على طاولة الأمم المتحدة.. هل يتحول خور عبد الله إلى اختبار سيادة جديد بين العراق والكويت؟

مشاركة » الاثنين فبراير 23, 2026 5:25 am

5.jpg
 
لدوحة- “القدس العربي”: على ضفاف خور عبد الله يعود التاريخ إلى الواجهة. تتقاطع الإحداثيات مع الذاكرة، وتتحول الخرائط إلى وثائق سياسية قابلة للاشتعال.

في خطوة أثارت جدلًا قانونيًا وإقليميًا واسعًا، أودعت الحكومة العراقية لدى الأمم المتحدة قوائم إحداثيات وخريطة محدثة لمجالاتها البحرية وفق أحكام اتفاقية قانون البحار لعام 1982. تحرك إجرائي تصفه بغداد بأنه توثيق سيادي، فيما تعتبره الكويت مساسًا بحدود مستقرة وحقوق بحرية قائمة منذ عقود.

وسارعت الكويت إلى تسليم مذكرة احتجاج رسمية إلى القائم بالأعمال العراقي، معتبرة أن الإحداثيات المودعة تتضمّن ادعاءات تطال مناطق بحرية ومرتفعات مائية ثابتة، بينها فشت العيج وفشت القيد.

وشدد البيان الكويتي على أن تلك المواقع تحظى بسيادة كاملة ومستقرة، ودعا إلى الالتزام بالتفاهمات الثنائية والمرجعيات الدولية ذات الصلة.

وفي بغداد، صدر ردّ يؤكد أن تحديد المجالات البحرية شأن سيادي يستند إلى نصوص اتفاقية قانون البحار، وأن الإيداع جاء بهدف جمع الإجراءات السابقة في وثيقة واحدة مدعومة بإحداثيات دقيقة وفق النظام الجيوديسي العالمي لعام 1984.

وأوضحت الخارجية العراقية أن الخطوة تعزز الوضوح القانوني وتنسجم مع التطورات الحديثة في قانون البحار، بما يشمل تحديد البحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة والمنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.

ويتضاعد التوتر بخطاب محسوب، حيث تستحضر الكويت قرار مجلس الأمن 833 لعام 1993 بوصفه مرجعية لترسيم الحدود البرية والبحرية بعد حرب الخليج الثانية، بينما ترى أصوات عراقية أن القرار لم يغلق كامل ملف الامتداد البحري العميق بعد العلامة 162. هنا يتقدم خور عبد الله إلى صدارة المشهد، باعتباره ممرًا مائيًا حيويًا ومعبرًا اقتصاديًا ذا حساسية سيادية عالية.

ولم يبق الملف ثنائيًا، فقد أعلنت قطر تضامنها مع الكويت، مؤكدة دعم سيادتها على مناطقها البحرية المعنية. كما أصدرت السعودية والإمارات بيانين أعربتا فيهما عن قلق إزاء ما اعتبرتهما تعديلات تمس أجزاء من المنطقة المغمورة المقسومة المحاذية للمنطقة المقسومة السعودية الكويتية، والتي تخضع لترتيبات ثنائية بشأن استثمار الموارد الطبيعية.

ويضيف المشهد الإقليمي طبقة جديدة من التعقيد إلى نزاع فني في ظاهره وقابل للتسييس في عمقه.

الدكتور ليث القيسي، المحلل والكاتب السياسي العراقي، يرى أن الخطوة العراقية تحمل أبعادًا قانونية داخلية وخارجية في آن واحد.

وفي تصريح لـ”القدس العربي”، يقول: “الحكومة العراقية تسعى إلى تثبيت حقوق بحرية عبر أدوات معترف بها دوليًا، خاصة بعد الجدل الذي رافق اتفاقية خور عبد الله وحكم المحكمة الاتحادية العليا عام 2023 بشأن آلية المصادقة. الإيداع لدى الأمم المتحدة يمنح بغداد منصة توثيق رسمية، ويؤسس لملف متكامل يمكن الدفاع عنه قانونيًا أمام أي جهة تحكيمية”.

ويضيف أن “الاعتراض الكويتي مفهوم في سياق حماية السيادة، غير أن معالجة الملف تتطلب حوارًا تقنيًا عميقًا بين خبراء القانون البحري والهندسة الجيوديسية بعيدًا عن التصعيد الإعلامي”. ويشير القيسي إلى أن “الانتخابات والحسابات الداخلية قد تضغط على صنّاع القرار في البلدين، ما يرفع سقف الخطاب ويعقد فرص التهدئة”.

في المقابل، يعتبر الكاتب والمحلل السعودي علي الحارثي أن أي تعديل في خرائط أو إحداثيات تمس مناطق متداخلة يفرض حساسية مضاعفة.

ويوضح في حديث موسع: “المنطقة المغمورة المقسومة بين السعودية والكويت تخضع لاتفاقيات ثنائية واضحة، وأي مقاربة جديدة يجب أن تراعي تلك الترتيبات القانونية القائمة. الاستقرار البحري عنصر أساسي لأمن الطاقة وحركة الملاحة في الخليج”.

ويضيف أن “الاحتجاجات الرسمية تبني سجلًا قانونيًا قد يستخدم مستقبلًا أمام محكمة العدل الدولية أو المحكمة الدولية لقانون البحار. لذلك تتعامل الدول مع كل بيان وكل إحداثية باعتبارها وثيقة قد تُستحضر بعد سنوات في قاعة قضائية”.

أما الكاتب المصري في صحيفة لوموند الفرنسية إبراهيم حمودة فيقرأ الأزمة من زاوية أوسع.

ويقول لـ”القدس العربي”: “الخرائط في الشرق الأوسط ترتبط غالبًا بتاريخ ثقيل، وأي تحديث تقني يتحول سريعًا إلى اختبار ثقة سياسي. العراق يسعى إلى إعادة تعريف موقعه البحري بعد سنوات من الاضطراب، والكويت تتحرك لحماية مكتسبات قانونية تحققت بعد 1991. المجتمع الدولي يراقب لأن استقرار الممرات البحرية في الخليج يؤثر على الاقتصاد العالمي”.

ويرى حمودة أن “التصعيد اللفظي قد يجذب الانتباه، غير أن مسار التسوية يمرّ عبر قنوات هادئة تجمع خبراء ومسؤولين بعيدًا عن ضغط الرأي العام”.

ويستند الملف إلى خلفية تاريخية معقدة، فقد أعاد غزو الكويت عام 1990 وما تبعه من تدخل دولي رسم الحدود بقرارات أممية. وفتح استئناف العلاقات الدبلوماسية بعد 2003 باب تعاون تدريجي، غير أن اتفاقية خور عبد الله بقيت نقطة توتر.

أما حكم المحكمة الاتحادية العراقية عام 2023 بعدم دستورية المصادقة على الاتفاقية، فأعاد الجدل إلى الواجهة، وطرح تساؤلات حول التزامات العراق الدستورية والدولية.

اليوم تعود الإحداثيات لتختبر صلابة تلك التفاهمات. تنشر شعبة شؤون المحيطات وقانون البحار في مكتب الشؤون القانونية بالأمم المتحدة القوائم المودعة، ما يتيح للدول الأعضاء الاطلاع عليها وتسجيل ملاحظاتها.

هذه الآلية الإجرائية تمنح النزاع طابعًا مؤسسيًا، وتفتح الباب أمام اعتراضات رسمية متبادلة قد تتراكم في ملف قانوني متكامل.

في الأروقة الدبلوماسية يدور سؤال جوهري: هل يتجه الطرفان نحو تحكيم دولي، أم يختاران مسار التفاوض الثنائي المدعوم بخبراء مستقلين؟ تجارب سابقة في نزاعات بحرية حول العالم تشير إلى أن اللجوء إلى القضاء الدولي يستغرق سنوات، ويحتاج إلى توافق على الاختصاص القضائي.

في المقابل، يوفر التفاوض المباشر مرونة أكبر، غير أنه يتطلب إرادة سياسية قادرة على امتصاص الضغوط الداخلية.

وتؤكد اللغة المستخدمة في البيانات الرسمية حرصًا على التمسك بالقانون الدولي. بغداد تتحدث عن سيادة وحقوق سيادية، والكويت تركز على ثبات الحدود واستقرارها. المصطلحات القانونية تحضر بقوة: خطوط أساس مستقيمة، منطقة اقتصادية خالصة، جرف قاري، نظام جيوديسي عالمي.

وخلف هذه المفردات تكمن رهانات تتصل بالملاحة والموارد الطبيعية ومكانة كل دولة في معادلة الخليج.

وتضع الأزمة العلاقات العراقية الكويتية أمام مفترق طرق جديد. يتقاطع البعد القانوني مع الذاكرة السياسية، وتتفاعل الاعتبارات الإقليمية مع حسابات الداخل.
العناوين الاكثر قراءة







 

العودة إلى تقارير