الوثيقة | مشاهدة الموضوع - ألا يتصعلك القوم… لعله خير لنا مما نحن فيه إحسان الفقيه
تغيير حجم الخط     

ألا يتصعلك القوم… لعله خير لنا مما نحن فيه إحسان الفقيه

مشاركة » الاثنين أكتوبر 08, 2018 12:41 am

«فبْركَ، يُفبرك، والمصدر فبْركة، يقال حديثٌ مُفبرَك وأخبار مُفبرَكة»
اعتذار واجبٌ لكل قواميس لغتنا الجميلة على هذا الهراء، فقد ألحقْنا بنسبِها ابنًا غير شرعي، وفد إلينا من لغة أخرى هي أفقر من حيث المفردات، لكنها عادتنا السيئة في النزوع إلى الاقتباس والاستيراد من غيرنا، وكان يكفي في التعبير عن مدلول هذه الكلمة بكلمات أخرى من صميم العربية مثل (اختلاق، وتلفيق).
وإن كان لعامة الناس العذر في تداول هذه الكلمة في حياتهم اليومية، فلا أدري لِمَ هذا الإصرار على تداولها بين الإعلاميين والسياسيين وطغيانها على الخطاب الرسمي، حتى اضطر من يرفض تعريب الكلمة إلى قبول تداولها والتعامل بها، ومن بينهم صاحبة السطور التي أوهمت القارئ بثرثرتها أنه بصدد مطالعة مقالة عن اللغة.
قفزت الفبركة إلى الحقل الإعلامي في القرن الماضي، حيث كان يسهل على الصحافي اختلاق مصدر وهمي للمعلومة، أو فبركة الخبر نفسه، أو ربما النقل عن شخص ميت، وكلها مسائل لا يتسنى التأكد منها في عصر ما قبل الإنترنت.
ومع هذه الثورة في تكنولوجيا الاتصال أصبح العالم قرية صغيرة، وهو الأمر الذي تنبأ به العالم الكندي مارشال ماكلوهان، إذ بات الجزء من الثانية هو الفاصل بين الإرسال والتلقي، وأصبح العثور على المعلومة من المصادر الموثقة يتم في ثوان معدودات.
لقد أتاح عالم الإنترنت لجميع الأشخاص أن يقوم كل منهم بدور الصحافي، بل تعتمد الصحف والمواقع على أفراد الناس كمراسلين في أي مكان، فيمكن لأي شخص أن يصور الحدث ويرسله إلى الموقع أو الصحيفة بضغطة زر.
غير أن الفبركة الإعلامية شقت طريقها إلى ذلك العالم الافتراضي بقوة أكثر من أي وقت مضى، وأصبح المتلقي أمام طوفان من المواد الإعلامية عبر الوسائط المختلفة، وأصبح ذلك العالم أرضًا خصبة ومرتعًا للتلفيق والاختلاق وميدانًا لتصفية حسابات سياسية وأيديولوجية ضد أفراد وجماعات ودول.
فيكفيك أن تكون مُلمًّا بالتعامل مع برامج الفوتوشوب حتى تصنع أفلامًا إباحية لخصومك، بتركيب وجوههم على أجساد عارية ظهرت في أفلام جنسية، ثم تبثها على مواقع التواصل، مع التقديم لها بعبارة «فضيحة جنسية لـ….»، ولا تنشغل بالترويج، فسوف يدعمك عشرات أو مئات الآلاف من ضعيفي النفوس والحمقى الذين يستمتعون بأن غيرهم فضيحة مكتوبة، ستبلغ الآفاق، وتدرّ عليك مليون لايك، ومليون شير، ومثلها من التعليقات، وهنيئًا لك ظلمات الظلم، ودعوة المظلوم تسري بالليل غفلتَ عنها ولم يغفل الله عنها. وليصفق كل سفيه لتلك التقنيات الحديثة التي ستجعله ينال من خصومه بمقطع صوتي مفبرك ينسبه إلى فلان وفلانة.
مقطع صوتي مفبرك؟ نعم فهناك تقنية باسم Speech Morphing» تحويل أو تلبيس الأصوات» وهي تقنية معقدة في علم معالجة الأصوات speech processing تعتمد على وجود «خميرة» من التسجيلات التي تم تجميعها لشخص ما (عادة شخصية عامة ومهمة) وصوت آخر «معملي» من الأفضل أن يكون صوته قريبا من الصوت الأصلي (ليس بالضرورة متطابقا) ويتم استخلاص عناصر وخصائص صوتية من الخميرتين (نغمة الصوت وحدّته ووقفاته وتردداته الرئيسية) ثم يقوم الصوت المعملي بقراءة أيّ جملة مصطنعة، ويتم بعد ذلك تلبيس الخصائص الصوتية واستبدال صوت الشخص المعملي بصوت الشخصية العامة، ولزيادة الدقة مع وجود تسجيلات كثيرة يمكن الاستعانة بمقاطع صوتية كاملة مسجلة من الصوت الأصلي (تحتوي على كلمة كاملة أو أكثر) ووضعها فى السياق ثم عمل ما يسمى بالصنفرة والتنغيم.
مهلا.. مهلا، حتى لا تظنوا أن الكاتبة خبيرة صوتيات، فتلك المعلومات نقلتها نصا عن سياسي ليبرالي مصري، رُشّح في السابق وزيرا للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في 2011، لكن تم استبعاده لكونه عضوا في شركة على علاقة بالصهاينة، هذا الرجل عمل لسنوات طويلة في البحث العلمي، وكان مشروع تخرجه عن نظام للتعرف على الأصوات، وبحثه في الدكتوراه كان عن التحليل والتعرف على الأنماط ومنها الأصوات. وأزيدك من الشعر بيتًا أنه كان من المُطبّلين لعبد الفتاح السيسي، وكتب هذه الشهادة دفاعًا عن تسريبات الأرز الخليجي المعروفة ليقوم بنفيها.
وسواء كانت الفبركة مصورة أو مسموعة، فإن المرء يعجب أن يصل صاحبها إلى هذا الحضيض الأخلاقي ويمرق من القيم والمبادئ، كما يمرق السهم من الرّميّة، والطامة الكبرى أن يتولى كِبَرها مشاهير من الكتاب والإعلاميين على حساباتهم الشخصية، نيابة عن أنظمة فجَرتْ في خصومتها، ولم ترقب في عِرض مؤمن ولا مؤمنة إلًّا ولا ذمّة، فلا شعرة معاوية أبقوا، ولا على طريق العودة حافظوا، بل أرادوها قطيعة سرمدية.
ودائمًا تجد فاصلًا كوميديا لكل مقطع مُفبرك، يقوم ببطولته صنف من المتلقين يُظهر نفسه في ثوب المتدين، فتراه ينشر هذه الفضيحة المُفبركة التي لا يتسنى له التأكد منها، ويُصدِّرها بحوقلة (لا حول ولا قوة إلا بالله)، أو بدعاء أن يستر الله على أعراض المسلمين، ويحسب بذلك أنه سيخرج عن المساءلة أمام الله، ثم أمام المجتمع والإنسانية، وهو بنشره تلك المقاطع يكون مُقرًا بمضمونها، فلا مجال لإحسان الظن به، فإن كان يدري فتلك مصيبة، وإن كان لا يدري فالمصيبة أعظم.
مهما قدّم الباحثون من مقترحات لمواجهة هذه الكارثة الأخلاقية سيبقى سعيهم دائرًا في إطار التنظير طالما كان الأمر يتعلق بهذا العالم الافتراضي الحر، فما من رادع للناشر والمتلقي سوى الضمير الديني والإنساني، فإذا كان الإسلام قد حرّم أن يُفبرك الإنسان حُلمًا أو منامًا كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم (مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ مَا لم تريا)، فكيف بمن يُفبرك مقطعًا يقدح في أعراض الناس، وينسب إليهم ما لم يقولوا أو يفعلوا؟
فأين الدين؟ أين العروبة؟ أين رابطة الدم؟ أين الإنسانية؟ ألا تكفي كل هذه الروابط أن تكون رادعًا لهؤلاء؟ كفوا ألسنتكم عن الحرائر، فما من شيم الرجال نهْش أعراض النساء. أين مروءة العرب يا من تتكلمون بلسان العروبة؟ أليس بينكم مثل عنترة إذ يقول:
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
اني امرؤ سمح الخليقة ماجد لا أتبع النفس اللجوج هواها
ويومًا ما، قال عروة بن الورد، أمير الصعاليك:
وإن جارتي أَلوَت رِياح ببَيتِها تَغافَلتُ حتى يسترَ البيت جانبه
ألا يتصعلك القوم لعله خير لنا مما نحن فيه؟
فإن كان هؤلاء يرون بجهلهم يوم الحساب بعيدًا، فهناك يوم في الدنيا تتجلى فيه الحقائق، وتتغير أحوال الدول وعلاقات الحكومات، وتُفتح الملفات القديمة، ويُباع الذين خاضوا في الأعراض من قِبل أسيادهم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
كاتبة أردنية
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات

cron