الوثيقة | مشاهدة الموضوع - واشنطن والرياض: لا خير في شراكة تبنى على الإهانة والابتزاز! محمد عبد الحكم دياب
تغيير حجم الخط     

واشنطن والرياض: لا خير في شراكة تبنى على الإهانة والابتزاز! محمد عبد الحكم دياب

مشاركة » السبت أكتوبر 06, 2018 12:21 am

تعصب وخشونة ترامب ضد العرب والمسلمين حالة مَرَضية في حاجة لطبيب عقلي وليس إلى كاتب أو محلل سياسي.. وكانت فترة الرخاء النفطي القصيرة بعد 1973؛ كانت شهر عسل تحولت فيه عواصم الغرب لمزار تحج إليه جحافلهم.. وكانت أموالهم موضع ترحيب وإن صاحبه ما شاع بين عوام الغرب وخواصه أنهم لا يعرفون قيمة المال، فيبددونه بلا معنى على الملذات وارتياد الملاهي الليلية وحانات المتعة، ورغم ذلك وفد اليها مثقفون وصحافيون وعاملون في مطبوعات ومؤسسات إعلام ناطقة بالعربية، وانتقلت إليها مؤسسات ومراكز دراسات وأبحاث، بجانب استثمارات عربية ضخمة، ومعها كثير من الشباب الباحث عن عمل وحياة أفضل.
وتحولت مناطق كاملة إلى أحياء تتحدث العربية.. وأقبل كثير من أهل الغرب على تعلمها، وصارت متداولة في شوارع وفنادق ومصارف ومتاجر الغرب.. ومن ناحية أخرى استخدم الإعلام الغربي وقتها لغة لافتة في وصف السلوك العربي.. خاصة في وقت تَصاعُد الصراع الأمريكي السوفييتي حول أفغانستان. وبدأ يستضيف ويروج لكل ما هو متطرف، واندفع المعارضون منهم في رفع راية «الجهاد» والحيلولة دون أي تسويات سلمية، وأيدوا سياسة الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وباكستان ومصر، وكانت واشنطن صاحبة قول فصل ونفوذ أقوى على هذه الدول؛ بعد تحولات ما بعد حرب 1973، وانعكاسات «اتفاقيات السلام» بين القاهرة وتل أبيب.
أذكر وقتها أنني حاولت لفت الأنظار إلى خطر اللغة المستخدمة في الإعلام الغربي والإعلام العربي الرديف؛ خاصة ما كانت تقدمه هيئة البث البريطانية «بي بي سي»؛ وكانت القناة الثانية فيها أول من وصف الجماعات المسلحة في أفغانستان بـ«المجاهدين»، ومن يومها دخل ذلك التعبير القاموس العالمي، وكتبت مقالا بعنوان «مجاهدون في أفغانستان.. إرهابيون في فلسطين»، ولَفَتُّ النظر مبكرا لحروب «العدو البديل»، التي ما زالت تشتعل، وتتسع حتى انفجرت في وجه العرب إنفسهم، وهم مهيؤون الآن للصدام مع إيران بالإنابة عن تل أبيب وواشنطن.. وقد وصل المخطط الصهيو غربي لمحطته قبل الأخيرة في تصفية القضية الفلسطينية.
في ذلك المقال حاولت سبر أغوار «الجهاد الحلال» المؤمرك، وخطر «الجهاد الحرام» المعرب، الذي لا يقيم وزنا لمأساة فلسطين، ولا يولي وجهه شطر القدس والأراضي العربية المحتلة.
وكتب مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الأسبق «روبرت غيتس» في مذكراته؛ التي صدرت بعنوان «من الظلال»، أن المخابرات الأمريكية بدأت دعم «المجاهدين» الأفغان قبل 6 أشهر من دخول السوفييت لأفغانستان. ووقع الرئيس الأمريكي الأسبق «جيمي كارتر» في 3 تموز/يوليو 1979، مرسوما خول به الوكالة الأمريكية شن حملات مضادة؛ تُغير الرأي العام الأفغاني والعربي والإسلامي والدولي من الحكومة الأفغانية اليسارية.
وأثارت هذه الحملات جدلا واسعا حول الحرب، وفيها ركز مؤيدو التدخل الأمريكي على نوايا السوفييت، مستدلين عليها بدكتاتورية الحكم الأفغاني، أما المعارضون لفتوا الأنظار إلى الفخ الأمريكي المنصوب لجر السوفييت لحرب لم يكسبها أحد من قبل، لأسباب عديدة لا يتسع لها المجال، وفي النهاية دفع الأفغان والعرب والمسلمين الثمن، ولم يخرجوا عن كونهم بيادق في حرب؛ هي في حقيقتها مواجهة أمريكية سوفييتية على أرض أفغانية وبمتطوعين مصريين وبمشاركة وتمويل سعودي وخليجي؛ وإدارة ومدربين وفنيين أمريكيين.
وما أشبه الليلة بالبارحة، وفيها «اتسع الخرق على الراتق»، واحتلت الحرب الصهيو أمريكية ضد العرب والمسلمين مساحة ممتدة من تشاد والسودان والصومال والقرن الإفريقي وباب المندب واليمن جنوبا، وشرقا من حدود إيران وإمارات الخليج وشبه جزيرة العرب والعراق، ومن الشمال الشام (سوريا والأردن ولبنان وفلسطين) وسيناء في مصر، وغربا من حدود مصر مع ليبيا حتى غرب تونس. ويدفع دونالد ترامب «القارة العربية» دفعا إلى الغرق في مستنقع الحروب البينية والتعجيل بإشعالها ضد إيران.
وأثار ترامب جدلا واسعا بتصريحاته الأخير حول الملك سلمان بن عبد العزيز، وهي فتنة مضافة في بيئة لديها فائض منها وليست في حاجة لمزيد، ويصر ترامب على محاربة العالم بأموال السعودية والخليج، وتمثل هذه التصريحات جرعة مكثفة وسامة من الإهانة والابتزاز تستهدف الملك سلمان بشكل خاص، ولا علاقة لها بأي منطق تقوم عليه علاقات الدول؛ الحليفة والمعادية، وهذا سلوك يمكن وصفه بـ«دبلوماسية البلطجة» يمارسها رئيس أرعن؛ أساء لنفسه ودولته ومواطنيه قبل أن يسيء إلى غيره، وهي إساءة لم تكن على هذه الدرجة ضد خصومه اللدودين؛ في كوريا الشمالية والصين وروسيا؛ بينما يستخدمها ضد «حلفاء استراتيجيين» فمن ذا الذي يتعامل مع مثل هذا الشخص ويأمن جانبه؟ ومن يقر بهذه اللغة شديدة الانحطاط والسقوط؟.. وكيف يقول لأهم حلفاء أمريكا من العرب في مؤتمر انتخابي بولاية «مسيسبي»: «قلت صراحة للملك سلمان أنه لن يظل في الحكم لأسبوعين من دون دعم الجيش الأمريكي».. وقلت له: «أيها الملك نحن نحميك، وربما لا تتمكن من البقاء لأسبوعين في الحكم من دون جيشنا، لذلك عليك أن تدفع»، وهل هناك إهانة وتهديد وابتزاز أكثر من ذلك؟.
والدفع المطلوب يضاف إلى ما حصل عليه ترامب العام الماضي في زيارته للرياض، واقترب من نصف تريليون دولار، وهو مبلغ رغم ضخامته لم يُشبع نهمه للمال.. ويتصور ترامب نفسه آمرا ناهيا يجب أن يطاع، وعليه أمر المملكة بكبح ارتفاع أسعار النفط العالمية؛ مهددا دول الـ«أوبك»، قائلا: «أوبك ودول أوبك كالمعتاد تسعى لتمزيق بقية العالم، أنا لا أحبها، ولا أحد يحبها، هم يسعون لاستغلالنا بأسعار نفط عالية، وهذا ليس جيدا، نريدهم أن يوقفوا رفع الأسعار، نريدهم أن يبدأوا في خفض الأسعار».
وفي كلمة له في تجمع انتخابي بولاية فرجينيا الثلاثاء الماضي قال: «أنا أحب السعودية، وقد أجريت مع الملك سلمان هذه الصباح حديثا مطولا، وقلت له إنك تمتلك تريليونات من الدولارات، والله وحده يعلم ماذا سيحدث للمملكة في حالة تعرضت لهجوم». ومضى في القول: «قلت له أيها الملك ربما لن تكون قادرا على الاحتفاظ بطائراتك، لأن السعودية ستتعرض للهجوم، ومعنا أنتم في أمان تام، لكننا لا نحصل في المقابل على ما يجب أن نحصل عليه».
واستطرد: «نحن ندعم جيوشهم لذلك دعوني أسأل: لماذا ندعم جيوش هذه الدول الغنية؟ أمر مختلف أن نقدم الدعم لدول تعيش وضعا صعبا وخطيرا مع فظائع قد تؤدي إلى مقتل الملايين، لكن عندما تكون لديك دول غنية كالسعودية واليابان وكوريا الجنوبية فلماذا إذن ندعم جيوشها؟ لأنهم سيدفعون، المشكلة أن لا أحد طالب بذلك من قبل».
ووفقا لوكالة «واس»، بدأ الملك سلمان جلسة مجلس الوزراء، الثلاثاء؛ الماضي بإطلاع المجلس على فحوى اتصاله الهاتفي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما تم خلاله من بحث للعلاقات المتميزة وسبل تطويرها في ضوء الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.. ولا خير في «شراكة استراتيجية»، أو غير استراتيجية تقوم على الإهانة والتهديد والابتزاز!.

٭ كاتب من مصر
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات

cron